محمد أبو زهرة

262

المعجزة الكبرى القرآن

حسنا . إن التسوية غير معقولة بين من له مال يعطى منه غيره ، أو ينفق منه في الخير سرا وجهرا ، وبين المملوك الذي لا مال له ، إذا كانت التسوية غير معقولة فتسوية أولئك المشركين بين الأحجار التي لا تضر ولا تنفع في عبادتها مع اللّه تعالى الرازق ذي القوة المتين المالك لكل شئ الذي له ملك السماوات والأرض ، أبعد عن كل معقول ، وذلك برهان على بطلان الشرك كله ، سواء أكان إشراك حيوان أو إنسان أم كان إشراك حجر . وثاني المثلين أن اللّه يضرب مثلا برجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ ، وهو كلّ على مالكه أو ذي قرابة له يتولى أمره ولا يتجه إلى جهة ويأتي فيها بخير ، بل إن الطرقات مسدودة أمامه من جوارحه المئوفة الناقصة فهل يستوى مع رجل موهوب في عقله وخلقه ، وكيانه الإنسانى والنفسي يسلك الصراط المستقيم ، يأمر بالعدل ، ولا يحيد عن سبيله ، فهما إذن بالبداهة لا يستويان . وإذا كان هذان الرجلان لا يستويان بداهة ، فأولى ألا تتساوى في العبادة الأحجار مع خالق الكون ، وهادي الخلق ، ومانح النعم ومجريها رب العالمين . ومن الأمثلة التي تدل على أن العبادة الخالصة لا تكون إلا للّه تعالى وحده ، وأنها بغير ذلك لا تكون عبادة - قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) [ الزمر : 29 ] إن هذا المثل التصويرى فيه دلالة على صدق التوحيد ، وفساد الشرك ، فإنه سبحانه وتعالى جعل الفرق بين التوحيد والشرك كالفرق بين رجل مملوك لعدة أشخاص هم مختلفون فيه كل يريد أن يختص بأكبر حظ منه ، وأن يكلف أقل قدر فيه ، وهو في ذاته ضائع بينهم نفسيا وماديا لا يدرى أيهم يطالبه بحقه ، فهو ضائع لا محالة ، وهو لا يحس بأمن في هذه الملكية المتنازعة ، وذلك مثل من يعبد آلهة مختلفة تكون نفسه حائرة بائرة غير مستقرة ، ولا مطمئنة ، فليست كحالها ، مع رجل سلما خالصا لرجل لا يشاكسه أحد فيه ، وهو مستقر يعرف من يخدمه ومن يعتمد عليه ، ومن فوض أمره إليه ، وذلك مثل من يعبد اللّه تعالى وحده ، فإن من يعبد اللّه وحده تطمئن نفسه ، ويجد المأوى ، ويجد الملجأ والملاذ ، وذلك مثل تهتدى به النفوس الشاردة . ومن الأمثال التي ساقها القرآن الكريم للاستدلال بها على البعث والنشور ، والإماتة والإحياء قوله تعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 259 ) [ البقرة : 259 ] .